محمد بن جرير الطبري

45

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع لِلنَّاظِرِينَ لمن ينظر إليها ويراها . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثام بن علي ، قال : ثنا الأعمش ، عن المنهال ، قال : ارتفعت الحية في السماء قدر ميل ، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها ، فجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت ، فجعل فرعون يقول : يا موسى أسألك . بالذي أرسلك ، قال : فأخذه بطنه . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا . . . فِي الْمَدائِنِ يقول تعالى ذكره : قال فرعون لما أراه موسى من عظيم قدرة الله وسلطانه حجة عليه لموسى بحقيقة ما دعاه إليه ، وصدق ما أتاه به من عند ربه لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ يعني لأشراف قومه الذين كانوا حوله . إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يقول : إن موسى سحر عصاه حتى أراكموها ثعبانا ، عَلِيمٌ يقول : ذو علم بالسحر وبصر به . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يقول : يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر . وإنما قال : يريد أن يخرجكم فجعل الخطاب للملإ حوله من القبط ، والمعني به بنو إسرائيل ، لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل ، واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا ، فلذلك قال لهم : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ وهو يريد : أن يخرج خدمكم وعبيدكم من أرض مصر إلى الشام . وإنما قلت معنى ذلك كذلك ، لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بإرسال بني إسرائيل معه ، فقال له ولأخيه فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ . وقوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ يقول : فأي شيء تأمرون في أمر موسى وما به تشيرون من الرأي فيه ؟ قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يقول تعالى ذكره : فأجاب فرعون الملأ حوله بأن قالوا له : أخر موسى وأخاه وأنظره ، وابعث في بلادك وأمصار مصر حاشرين يحشرون إليك كل سحار عليم بالسحر . القول في تأويل قوله تعالى : فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . . . مُجْتَمِعُونَ يقول تعالى ذكره : فجمع الحاشرون الذين بعثهم فرعون بحشر السحرة لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ يقول : لوقت واعد فرعون لموسى الاجتماع معه فيه من يوم معلوم ، وذلك يوم الزينة وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقيل للناس : هل أنتم مجتمعون لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ، ولمن تكون الغلبة لموسى أو للسحرة ف لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ ومعنى لعل هاهنا : كي . يقول : كي نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى . وإنما قلت ذلك معناها ، لأن قوم فرعون كانوا على دين فرعون ، فغير معقول أن يقول من كان على دين أنظر إلى حجة من هو على خلافي لعلي أتبع ديني ، وإنما يقال : أنظر إليها كي أزداد بصيرة بديني ، فأقيم عليه . وكذلك قال قوم فرعون ، فإياها عنوا بقيلهم : لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين . وقيل : إن اجتماعهم للميقات الذي اتعد للاجتماع فيه فرعون وموسى كان بالإسكندرية . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ قال : كانوا بالإسكندرية ، قال : ويقال : بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ ، قال : وهربوا وأسلموا فرعون وهمت به ، فقال : فخذها يا موسى ، قال : فكان فرعون مما يلي الناس منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئا ، قال : فأحدث يومئذ تحته ، قال : وكان إرساله الحية في القبة الحمراء . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ . . . وَعِصِيَّهُمْ يقول تعالى ذكره : فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ فرعون لوعد لموسى